وول ستريت تبدأ الأسبوع على إيقاع حذر
افتتحت الأسهم الأميركية تعاملاتها على تباين واضح، لكن مؤشر داو جونز نجح في تسجيل مستوى قياسي جديد، مستفيداً من تحسن شهية المخاطرة لدى المستثمرين وعودة الأموال إلى القطاعات الدورية، ولا سيما القطاع المالي. وجاء ذلك في وقت تتفاعل فيه الأسواق مع تراجع أسعار النفط وتراجع جزء من المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالشرق الأوسط.
ورغم الأجواء الإيجابية، لا تزال حركة التداول محكومة بالحذر، إذ يراقب المستثمرون عن كثب ما إذا كان الصعود الأخير يعكس تحولاً مستداماً في المعنويات أم مجرد ارتداد مؤقت بعد موجة ارتفاع قوية في الأسابيع الماضية. كما أن الغموض المحيط ببنود الاتفاق الأميركي الإيراني يضيف طبقة أخرى من الترقب إلى مشهد الأسواق.
النفط يواصل الضغط على أسهم الطاقة
استمرت أسعار الخام في الهبوط لتقترب من أدنى مستوياتها في نحو ثلاثة أشهر، وهو ما انعكس مباشرة على أداء قطاع الطاقة في السوق الأميركية. ومع أن الاتفاق بين واشنطن وطهران خفف من التوتر الذي كان يضغط على الإمدادات، فإن المتعاملين ما زالوا يتساءلون عن المدة التي يحتاجها السوق لاستعادة توازنه الكامل بعد اضطرابات استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر وارتبطت بإغلاق مضيق هرمز.
هذا التراجع في النفط منح الأسواق دفعة من جهة، لأنه خفف القلق من ضغوط التضخم المستقبلية، لكنه في الوقت نفسه أضعف أسهم شركات الطاقة وأعاد توزيع التدفقات الاستثمارية نحو القطاعات الأكثر استفادة من النمو الاقتصادي، مثل البنوك والخدمات المالية.
البنوك تقود المكاسب داخل السوق الأميركية
أظهر التداول اتجاهاً واضحاً نحو الأسهم الحساسة للدورة الاقتصادية، إذ ارتفعت سبعة قطاعات رئيسية من أصل 11 داخل مؤشر ستاندرد آند بورز 500. وتصدر القطاع المالي قائمة الرابحين بارتفاع 1.1 في المائة، مدعوماً بقوة أسهم البنوك الكبرى.
وصعد سهم غولدمان ساكس بنسبة 1.3 في المائة، ما أسهم في دعم داو جونز مباشرة، بينما تقدم سهم جي بي مورغان 1.8 في المائة، وارتفع بنك أوف أميركا 1.2 في المائة. وتعكس هذه التحركات ثقة نسبية في قدرة القطاع المالي على الاستفادة من بيئة اقتصادية أكثر استقراراً، حتى مع استمرار الجدل حول اتجاهات السياسة النقدية في الأشهر المقبلة.
في المقابل، تراجع مؤشر الطاقة 0.4 في المائة تحت وطأة انخفاض الخام، ما يؤكد أن المستثمرين يعيدون موازنة محافظهم مع تغير توقعات الأسعار والنمو والتضخم في آن واحد.
الأنظار تتجه إلى أول اختبار للفيدرالي بقيادة وارش
العامل الأهم في السوق حالياً يتمثل في اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقرر يوم الأربعاء، وهو أول اجتماع يعقد في عهد رئاسة كيفين وارش للبنك المركزي الأميركي. وتتابع الأسواق باهتمام بالغ أي مؤشرات على طريقة تعامله مع الضغوط السياسية المتزايدة، خصوصاً في ظل الدعوات العلنية لتبني سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
ويحاول المستثمرون قراءة لهجة البيان الصحافي والتوجيهات المستقبلية أكثر من قرار الفائدة نفسه، لأن الرسائل المرتبطة بتوقعات التضخم ومسار النمو ستحدد بدرجة كبيرة اتجاه الأسهم والسندات خلال الفترة المقبلة. ويعتقد بعض المتعاملين أن وجود تهدئة في أسواق الطاقة قد يمنح الفيدرالي مساحة أوسع للحفاظ على موقف متوازن، من دون الانجرار إلى تشديد أو تيسير سريع.
ولا يزال التضخم أعلى بأكثر من نقطة مئوية من هدف الفيدرالي البالغ 2 في المائة، ما يجعل أي تحرك في السياسة النقدية مرتبطاً أساساً بوتيرة هبوط الأسعار خلال الأشهر المقبلة. كما تشير عقود الفائدة الآجلة إلى احتمال بنسبة 42 في المائة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، وفق أداة فيد ووتش، بينما تتوقع الأسواق بدء خفض الفائدة بعد منتصف عام 2027.
التكنولوجيا والصفقات تعيد رسم المزاج الاستثماري
إلى جانب البنوك والنفط، ساهمت أخبار الشركات في رفع مستوى النشاط في السوق. فقد ارتفع سهم كوالكوم 3.6 في المائة بعد تقارير تحدثت عن محادثات لشراء شركة تينستورِنت المتخصصة في رقائق الذكاء الاصطناعي، في صفقة قد تتراوح قيمتها بين 8 و10 مليارات دولار. وتأتي هذه الخطوة في سياق سباق عالمي متسارع على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة.
كما صعد سهم روبن هود 1.1 في المائة بعدما أعلنت منصة التداول نيتها خفض 10 في المائة من موظفيها بدوام كامل وإغلاق الوظائف الشاغرة المتبقية، في إشارة إلى استمرار إعادة الهيكلة داخل بعض شركات التكنولوجيا المالية تحت ضغط الكفاءة التشغيلية والربحية.
هذه التحركات الفردية تعكس أن السوق الأميركية لا تتحرك بفعل عامل واحد، بل تتقاطع فيها أسعار الفائدة وأرباح الشركات وتكاليف الطاقة والتطورات الجيوسياسية في وقت واحد، وهو ما يجعل اتجاه المؤشرات الرئيسية أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة يومية بين الصعود والهبوط.
توازن هش بين التفاؤل والانتظار
رغم المكاسب الواسعة نسبياً، بقيت التداولات في حالة توازن هش. فقد تجاوز عدد الأسهم المرتفعة المتراجعة في بورصة نيويورك نسبة 2.19 إلى 1، وفي ناسداك 1.39 إلى 1، وهو ما يشير إلى تفوق واضح للمشتريات، لكنه لا يلغي وجود قدر من التحفظ لدى المستثمرين قبل صدور إشارة الفيدرالي.
ويبدو أن السوق الأميركية دخلت مرحلة اختبار حقيقية: هل يمكن للانخفاض في النفط أن يدعم الأصول الخطرة ويخفف الضغوط التضخمية في الوقت نفسه؟ وهل ينجح الفيدرالي، تحت قيادة وارش، في صياغة موقف يطمئن الأسواق من دون الإيحاء بتغيير حاد في المسار النقدي؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستتضح على الأرجح بعد الاجتماع المرتقب، لكن ما هو واضح حتى الآن أن داو جونز يستفيد من مزيج نادر من التهدئة في الطاقة، وانتعاش البنوك، وترقب رسالة نقدية أقل صداماً من البنك المركزي الأميركي.