الأعمال والاقتصاد الرقمي 25-Jun-2026 5 دقائق قراءة

بريتش إيرويز تعتزم رفع أسعار الرحلات مع ارتفاع كلفة الوقود واضطراب الإمدادات

تخطط الخطوط الجوية البريطانية لرفع أسعار بعض الرحلات مع تزايد فاتورة الوقود الناجمة عن اضطرابات الشرق الأوسط، في وقت ترى فيه الشركة أن قدرتها على تمرير التكاليف أعلى من شركات تعتمد على الرحلات القصيرة والترفيهية.

بريتش إيرويز تدرس تمرير جزء من كلفة الوقود إلى المسافرين

تتحرك الخطوط الجوية البريطانية «بريتش إيرويز» نحو زيادة أسعار بعض رحلاتها، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الوقود الذي يضغط على تكاليف التشغيل في قطاع الطيران العالمي. وتربط الشركة هذه الضغوط بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، الذي أسهم في رفع كلفة الوقود على شركات الطيران خلال الأشهر الأخيرة.

وبحسب ما نقله مسؤولون في الشركة، فإن طبيعة شبكة «بريتش إيرويز» تمنحها هامشاً أكبر لتمرير جزء من الزيادة السعرية مقارنة بشركات أخرى تركز بشكل أساسي على الرحلات الترفيهية القصيرة، حيث تكون القدرة على رفع الأسعار عادةً أضعف وأكثر ارتباطاً بحساسية الطلب.

وتدير الشركة، التابعة لمجموعة «آي إيه جي»، مزيجاً من الرحلات الطويلة ورحلات الأعمال والخدمات المميزة، وهي شرائح يُنظر إليها على أنها أكثر قدرة على تحمّل زيادات الأسعار من سوق السفر المنخفض التكلفة أو الموسمي.

ضغوط متصاعدة على هوامش شركات الطيران

تأتي هذه الخطوة في وقت تعاني فيه شركات الطيران حول العالم من ارتفاع فاتورة الوقود، وهو أحد أكبر بنود الإنفاق في القطاع. ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، باتت الكلفة التشغيلية أكثر تقلباً، بينما تحاول الشركات حماية هوامش الربح عبر التسعير أو التحوط أو خفض النفقات.

وتوضح بيانات المجموعة المالكة لـ«بريتش إيرويز» أنها تتوقع تغطية نحو 60 في المائة من تكاليف الوقود عبر الإيرادات والوفورات التشغيلية، وهو ما يعكس اعتماداً جزئياً على القدرة التجارية للشركة وعلى إجراءات ضبط المصروفات لتعويض أثر الارتفاع في الأسعار.

لكن الشركة قالت أيضاً إنها ستتحمل قرابة ملياري يورو إضافية هذا العام بسبب كلفة الوقود المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، وهو رقم يبرز حجم التأثير المالي المباشر على شركات الطيران ذات الشبكات الواسعة.

لماذا تستطيع بعض الشركات رفع الأسعار بسهولة أكبر؟

في صناعة الطيران، لا تتوزع القدرة على رفع الأسعار بالتساوي بين الشركات. فشركات الطيران التي تقدم درجات سفر أعلى، أو تعتمد على العملاء من قطاع الأعمال، تتمتع عادةً بمرونة أكبر في تعديل الأسعار من الشركات التي تبني نموذجها على الأسعار المنخفضة والرحلات الترفيهية القصيرة.

ويرجع ذلك إلى أن المسافر في الرحلات الطويلة أو الشركات يكون في كثير من الأحيان أقل حساسية للتغيرات البسيطة في السعر، خاصة عندما تكون الرحلة مرتبطة بأعمال أو بمسارات لا تتوفر فيها بدائل كثيرة. أما في الرحلات القصيرة، فيبقى التنافس السعري عنصراً حاسماً في قرار الحجز.

ومن هنا، تبدو «بريتش إيرويز» في موقع أفضل نسبياً لامتصاص صدمة الوقود مقارنة بمنافسين أصغر أو أكثر اعتماداً على شرائح ترفيهية، رغم أن أي زيادة تبقى رهناً بطبيعة الطلب وظروف السوق العامة.

الشرق الأوسط يربك أسواق الطاقة والنقل معاً

لا يقتصر أثر الاضطرابات الجيوسياسية على شركات الطيران وحدها، بل يمتد إلى سلاسل أوسع في أسواق الطاقة والتكرير والشحن. فتعطل الإمدادات أو زيادة المخاطر على طرق الإمداد يرفعان الأسعار ويؤديان إلى تأجيل قرارات تشغيل واستثمار في قطاعات مرتبطة مباشرة بالنفط.

وفي الصين، أجّلت شركات تكرير مشروعين كان من المفترض أن يدخلا الخدمة هذا العام، بعد اضطراب إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز. ويمسّ هذا التأجيل طاقة تكريرية إجمالية تصل إلى 500 ألف برميل يومياً، ما قد يضغط على الطلب على الخام في السوق الصينية ويؤثر في ديناميكيات الأسعار العالمية.

كما تأخر تشغيل مصفاة تابعة لمشروع مشترك بين «أرامكو السعودية» وشركاء صينيين في مدينة بانجين، بينما أرجأت «بتروتشاينا» إعادة تشغيل وحدة تكرير في داليان إلى أجل غير مسمى. وتكشف هذه التطورات أن اضطراب الإمدادات لا يرفع الأسعار فقط، بل يفرض أيضاً تعديلات في خطط الاستثمار والإنتاج.

الطلب على الوقود يتراجع في بعض الأسواق

في موازاة ارتفاع التكاليف، تواجه شركات التكرير والطيران تحدياً آخر يتمثل في تباطؤ الطلب على الوقود في بعض الأسواق. فقد انخفض معدل معالجة النفط في المصافي الصينية إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022، مع تراجع الاستهلاك وازدياد الضغوط على الهوامش.

ويشير ذلك إلى أن السوق العالمية لا تتحرك في اتجاه واحد؛ فبينما تدفع التوترات الجيوسياسية أسعار الخام صعوداً، تتأثر بعض القطاعات بانخفاض الاستهلاك أو تشدد القيود التنظيمية أو تسارع التحول نحو السيارات الكهربائية.

هذا التباين يخلق بيئة أكثر تعقيداً أمام شركات الطيران، التي تحتاج إلى موازنة الكلفة مع القدرة على بيع المقاعد بأسعار مناسبة، من دون الإضرار بالطلب أو فقدان القدرة التنافسية.

انعكاسات ممتدة على خطط الشركات الكبرى

ترى شركات الطيران أن استمرار أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة قد يدفع القطاع إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسعير والتحوط وإدارة السعة. كما قد يتوسع الأثر إلى قرارات تأجيل التوسع أو تعديل مسارات الرحلات أو تقليص بعض التكاليف التشغيلية الأخرى.

وفي المقابل، تحاول الشركات ذات الشبكات الدولية الواسعة الاستفادة من قوة علامتها التجارية ومن شرائح العملاء الأعلى إنفاقاً للحفاظ على الربحية. ويبدو أن «بريتش إيرويز» تتعامل مع الوضع من هذه الزاوية، عبر الاستعداد لرفع الأسعار في بعض الفئات مع الإبقاء على توازن دقيق بين الإيرادات والطلب.

وبين ضغوط الطاقة وتذبذب الأسواق، يظل قطاع الطيران من أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في أسعار الوقود أو مسارات الإمداد، ما يجعل قرارات التسعير الحالية مؤشراً مبكراً على مرحلة قد تكون أكثر تكلفة للشركات والمسافرين معاً.