الأعمال والاقتصاد الرقمي 20-Jun-2026 5 دقائق قراءة

صندوق النقد يفرج عن 188 مليون دولار للأردن مع الإشادة باستقرار الاقتصاد رغم الضغوط الإقليمية

أتم صندوق النقد الدولي مراجعات جديدة لبرنامجي التسهيل الممتد والصلابة والاستدامة مع الأردن، ما يتيح صرف نحو 188 مليون دولار، في خطوة تعكس استمرار الثقة الدولية في متانة المؤشرات المالية الأردنية رغم تداعيات الحرب في المنطقة.

دفعة تمويلية جديدة للاقتصاد الأردني

أعلن صندوق النقد الدولي إتمام مراجعتين جديدتين لبرنامجه مع الأردن، الأمر الذي يفتح الباب أمام صرف فوري يقارب 188 مليون دولار لدعم مسار الاستقرار الاقتصادي والمالي في المملكة. ويأتي هذا التطور ضمن متابعة الصندوق لبرنامج التسهيل الممتد إلى جانب برنامج الصلابة والاستدامة، وهما من الأدوات التي يستخدمها لدعم الاقتصادات التي تحتاج إلى تمويل ميسر مع الحفاظ على التوازنات الكلية.

وتوزع المبلغ بين نحو 134 مليون دولار مرتبطة بآلية التسهيل الممتد، و54 مليون دولار ضمن برنامج الصلابة والاستدامة. ويهدف هذا التمويل إلى دعم السياسة الاقتصادية الأردنية، خصوصاً في ما يتعلق بالحفاظ على الاستقرار النقدي، وخفض أعباء الدين، وتوسيع مساحة النمو الذي يقوده القطاع الخاص، بما ينعكس على خلق فرص العمل.

إشادة بصمود الاقتصاد رغم البيئة الإقليمية

في بيانه الأخير، أظهر الصندوق نبرة إيجابية تجاه أداء الأردن، مشيراً إلى أن المملكة نجحت في المحافظة على توازنها الاقتصادي الكلي رغم ما وصفه بالضغوط الشديدة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط. وبحسب الصندوق، فإن هذا الأداء لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مجموعة من العوامل أبرزها السياسات المالية الحذرة، واستمرار تطبيق الإصلاحات الهيكلية، ووجود دعم دولي متواصل.

ورغم الاضطرابات التي أصابت بعض القطاعات في المنطقة، بقي الاقتصاد الأردني قادراً على امتصاص الصدمات نسبياً. فقد تأثرت أسواق الطاقة والسياحة وتكاليف الشحن، لكن معظم الأنشطة الاقتصادية واصلت العمل بصورة طبيعية، فيما استفادت بعض القطاعات من الطلب الخارجي ومن تحسن أسعار بعض الصادرات. كما بقي التضخم عند مستويات منخفضة، وظلت الاحتياطيات الأجنبية عند مستوى مريح يمنح السياسة النقدية قدراً من المرونة.

وأكد نائب المدير العام للصندوق ورئيس الجلسة المعنية بالملف الأردني أن الأداء المالي خلال الربع الأول من عام 2026 جاء منسجماً مع أهداف البرنامج، مشدداً على أهمية استمرار الإصلاحات لتوسيع قدرة الاقتصاد على الصمود وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

ما الذي تعنيه الأرقام الجديدة للأردن؟

التوقعات المحدثة التي رافقت قرار الصندوق تعطي صورة أكثر وضوحاً عن المسار الاقتصادي المتوقع للأردن خلال العامين المقبلين. فالمؤسسة الدولية تتوقع نمواً حقيقياً للناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.7 في المائة في 2026، مقارنة بـ2.8 في المائة في 2025، مع احتمال ارتفاعه إلى 3.1 في المائة في 2027. ورغم أن هذا النمو لا يزال متوسطاً، فإنه يشير إلى استمرار التعافي في بيئة خارجية صعبة.

أما التضخم، فيُرجح أن يسجل ارتفاعاً طفيفاً إلى 2.5 في المائة خلال 2026، مقابل 1.8 في المائة في العام السابق. وهذا المستوى، إذا تحقق، يبقى ضمن الحدود التي تعكس استقرار الأسعار وعدم انتقال الضغوط الإقليمية بصورة حادة إلى السوق المحلية.

وفي جانب المالية العامة، يتوقع الصندوق تراجع العجز في الموازنة المركزية إلى 4.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنة بـ5.0 في المائة في 2025. كما يُتوقع أن ينخفض الدين الحكومي المضمون بشكل تدريجي ليصل إلى 108.7 في المائة من الناتج المحلي، بينما يبلغ الدين الصافي نحو 82.5 في المائة بعد استبعاد بعض الحيازات الاستثمارية المؤسسية.

وتبقى الاحتياطيات الأجنبية إحدى نقاط القوة الأساسية في المشهد الأردني، إذ من المتوقع أن تغطي نحو 8 أشهر من الواردات خلال 2026. وهذه النسبة تمنح البنك المركزي قدرة أكبر على دعم استقرار سعر الصرف، خصوصاً في ظل ارتباط الدينار بالدولار الأميركي.

السياسة النقدية والربط بالدولار تحت المراقبة

شدّد صندوق النقد على أن السياسة النقدية الأردنية ما زالت ملائمة لحماية الاستقرار المالي ودعم نظام ربط الدينار بالدولار الأميركي. ويعد هذا الربط من الركائز الأساسية في إطار السياسة الاقتصادية الأردنية، إذ يوفر درجة عالية من اليقين في سوق الصرف ويحد من التقلبات التي قد تؤثر على الأسعار والتمويل والتجارة.

لكن الصندوق لفت أيضاً إلى أن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب استمرار الانضباط المالي والإصلاحات البنيوية، إلى جانب دعم خارجي كافٍ ومتواصل. كما أشار إلى أن الأردن يتحمل أعباء إضافية مرتبطة باستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، وهو ما يفرض ضغطاً طويل الأمد على الخدمات العامة والبنية التحتية والمالية العامة.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة، لأنها تربط بين الوضع الإنساني والاقتصادي في آن واحد، وتوضح أن الاستقرار المالي الذي يحتفظ به الأردن لا ينفصل عن حاجته إلى تمويل تنموي ودعم دولي منتظم. فالمعادلة هنا ليست فقط ضبط العجز أو تقليص الدين، بل أيضاً الحفاظ على قدرة الدولة على تقديم الخدمات واستيعاب الصدمات الخارجية.

دور الإصلاحات في جذب الثقة الدولية

يعكس قرار الصندوق استمرار الثقة في نهج الأردن الإصلاحي، لا سيما مع مواصلة العمل على تحسين بيئة الأعمال وتوسيع دور القطاع الخاص في الاستثمار والتوظيف. فالمؤشرات التي استند إليها الصندوق لا تتعلق فقط بالأداء المالي التقليدي، بل تشمل أيضاً قدرة الاقتصاد على تنفيذ إصلاحات طويلة الأجل تعزز الإنتاجية وتدعم النمو المستدام.

ومن أبرز ما يلفت النظر في هذه المرحلة أن الأردن استطاع، رغم التوترات الإقليمية، الحفاظ على انضباط نسبي في المؤشرات الأساسية. وهذا مهم للمستثمرين والجهات المانحة على حد سواء، لأن الثقة الدولية غالباً ما تُبنى على مزيج من الاستقرار النقدي، والشفافية المالية، واستمرارية الإصلاح.

كما أن التوقعات المرتبطة بتسارع النمو في 2027 تعكس رهاناً على دور المشاريع الاستثمارية المقبلة في تحريك النشاط الاقتصادي. وإذا اقترنت هذه المشاريع بتحسن بيئة التمويل وتراجع الضغوط الخارجية، فقد يتمكن الاقتصاد الأردني من الانتقال إلى مرحلة أكثر توازناً بين الاستقرار والنمو.

خلاصة المشهد الاقتصادي

يمثل الإفراج عن 188 مليون دولار للأردن أكثر من مجرد دفعة تمويلية قصيرة الأجل؛ فهو إشارة جديدة إلى أن المؤسسات الدولية ما تزال ترى في المملكة نموذجاً قادراً على إدارة الضغوط والحفاظ على الاستقرار في محيط مضطرب. كما أن الأرقام المحدثة للصندوق توحي بأن الاقتصاد الأردني يمضي في مسار إصلاح تدريجي، مع بقاء التحديات قائمة في ملفات الدين والعجز والنمو.

وبين الحاجة إلى تمويل خارجي، ومتطلبات الإصلاح الداخلي، وضغوط البيئة الإقليمية، يظل التحدي الأساسي أمام عمّان هو تحويل الاستقرار النسبي إلى نمو أقوى وأكثر شمولاً، بما يوسع فرص العمل ويحسن القدرة الشرائية ويعزز ثقة الأسواق على المدى المتوسط.